سهيلة عبد الباعث الترجمان

768

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

بفضل هذا النور الذي أضاء الحشا « * » وفاض من القلب فأضاء جوانب الحياة ، وهذه حالة لا يمكن دركها بالعقل لأنها فوق طوره وأبعد من مرامه « * * » ، لذلك يعجز عن إيصال صاحبه إلى إدراك مثل هذه الأمور . والمجاهدة النفسية مرحلة هامة من مراحل حياة الصوفي كي يتحقق بالكمال الروحي ، والنفس « * * * » هي بمثابة السجن لهذه الروح ، فلا بد من انطلاقها من هذا السجن وذلك رهن بتحققها الكامل بالحقائق والكمالات الإلهية ، كما أن انطلاق الصوفي من سجنه رهن بتحرره من شوائب الحس وكدورات المادة ومخالفته لهواه ، وقد أورد الجيلي في مصطلحاته تعريف المجاهدة بأنها حمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة الهوى على كل حال . هكذا كان شأن الشيخين ، فقد عمدا إلى تطهير النفس والارتفاع بها إلى مستوى الروح ، وما يراه ابن عربي في هذا المجال " أنه إذا وصل العبد إلى معرفة اللّه فليس وراء اللّه مرمى ولا مرقى ، فهناك يطّلع كشفا ويقينا على حضرات الأسماء الإلهية . . . " « 1 » . وقد حدد الجيلي الطريق إلى ذلك بالعزلة ومجاهدة النفس ، بل وإماتتها عن تعلقاتها ، مبينا أهمية العزلة وضرورة الالتزام بها لتحصيل ذلك الأمر فقال : " عليك بالعزلة ، واعرف إخوانك وعاملهم معاملة يستحقونها ، واغتنم الوحدة كأساس ، وكفّ جوارحك عن الفضول ، وتعرّض لنفحات اللّه ، فإن لربك في أيام دهرك نفحات ، وإياك والاختلاط بأهل الدنيا وأعرض عنهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب ، وعاقبها قبل أن تعاقب ، ومت بالاختيار حتى تحتمي

--> ( * ) الحشا أو الحشى ، ما دون الحجاب مما في البطن من كبد وطحال وكرش إلخ . . . جمع أحشاء ( المنجد ) ويقصد به الجيلي النور الذي يضيء داخل النفس ويفيض من القلب . ( * * ) المرمى ( مصدر ) جمع مرام : يقال هذا الكلام بعيد المرامي أي يرمي إلى أغراض بعيدة . ( المنجد ) وهنا أنها فوق طور العقل لا قدرة له على الإحاطة بها . ( * * * ) النفس يقصد بها النفس الأمارة وتسمى باعتبار ما يأتيه من المقتضيات الطبيعية الشهوانية بالانهماك في الملاذ الحيوانية وعدم المبالاة بالأوامر والنواهي ، ( الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 47 ) . ( 1 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) : دراسات في الفلسفة الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 149 .